فخر الدين الرازي

74

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ باِلْبَصَرِ ) * . أي إلا كلمة واحدة ، وهو قوله له : ( كن ) هذا هو المشهور الظاهر ، وعلى هذا فالله إذا أراد شيئاً قال له : ( كن ) فهناك شيئان : الإرادة والقول ، فالإرادة والقول ، فالإرادة قدر ، والقول قضاء ، وقوله : * ( واحدة ) * يحتمل أمرين أحدهما : بيان أنه لا حاجة إلى تكرير القول إشارة إلى نفاذ الأمر ثانيهما : بيان عدم اختلاف الحال ، فأمره عند خلق العرش العظيم كأمره عند خلق النمل الصغير ، فأمره عند الكل واحد وقوله : * ( كلمح بالبصر ) * تشبيه الكون لا تشبيه الأمر ، فكأنه قال : أمرنا واحدة ، فإذن المأمور كائن كلمح بالبصر ، لأنه لو كان راجعاً إلى الأمر لا يكون ذلك صفة مدح يليق به ، فإن كلمة ( كن ) شيء أيضاً يوجد كلمح بالبصر هذا هو التفسير الظاهر المشهور ، وفيه وجه ظاهر ذهب إليه الحكماء ، وهي أن مقدورات الله تعالى هي الممكنات يوجدها بقدرته ، وفي عدمها خلاف لا يليق بيانه بهذا الموضع لطوله لا لسبب غيره ، ثم إن الممكنات التي يوجدها الله تعالى قسمان أحدهما : أمور لها أجزاء ملتئمة عند التئامها يتم وجودها ، كالإنسان والحيوان والأجسام النباتية والمعدنية وكذلك الأركان الأربعة ، والسماوات ، وسائر الأجسام وسائر ما يقوم بالأجسام من الأعراض ، فهي كلها مقدرة له وحوادث ، فإن أجزاءها توجد أولاً ، ثم يوجد فيها التركيب والالتئام بعينها ، ففيها تقديرات نظراً إلى الأجزاء والتركيب والأعراض وثانيهما : أمور ليس لها أجزاء ومفاصل ومقادير امتدادية ، وهي الأرواح الشريفة المنورة للأجسام ، وقد أثبتها جميع الفلاسفة إلا قليلاً منهم ، ووافقهم جمع من المتكلمين ، وقطع بها كثير ممن له قلب من أصحاب الرياضات وأرباب المجاهدات ، فتلك الأمور وجودها واحد ليس يوجد أولاً أجزاء ، وثانياً تتحقق تلك الأجزاء بخلاف الأجسام والأعراض القائمة بها ، إذا عرفت هذا قالوا : الأجسام خلقية قدرية ، والأرواح إبداعية أمرية ، وقالوا إليه الإشارة بقوله تعالى : * ( ألا له الخلق والأمر ) * ( الأعراف : 54 ) فالخلق في الأجسام والأمر في الأرواح ثم قالوا : لا ينبغي أن يظن بهذا الكلام أنه على خلاف الأخبار فإنه صلى الله عليه وسلم قال : " أول ما خلق الله العقل " ، وروى عنه عليه السلام أنه قال : " خلق الله الأرواح قبل الأجسام بألفي عام " وقال تعالى : * ( الله خالق كل شيء ) * ( الزمر : 62 ) فالخلق أطلق على إيجاد الأرواح والعقل لأن إطلاق الخلق على ما يطلق عليه الأمر جائز ، وإن العالم بالكلية حادث وإطلاق الخلق بمعنى الإحداث جائز ، وإن كان في حقيقة الخلق تقدير في أصل اللغة ولا كذلك في الأحداث ، ولولا الفرق بين العبارتين وإلا لاستقبح الفلسفي من أن يقول المخلوق قديم كما يستقبح من أن المحدث قديم ، فإذن قوله صلى الله عليه وسلم خلق الله الأرواح بمعنى أحدثها بأمره ، وفي هذا الإطلاق فائدة عظيمة وهي أنه صلى الله عليه وسلم لو غير العبارة وقال في الأرواح أنها موجودة